عماد الدين الكاتب الأصبهاني

مقدمة 45

خريدة القصر وجريدة العصر

كبيرا جدّا ؛ لأن الأحداث العظمى والفتن الجسام تتناول في العادة الرؤوس ، وتنتاش الوجوه من أرباب المناصب والمقامات الرفيعة في الدولة . ولم يكن نصيب العماد أقل من نصيب أمثاله ، فقد أضاع مركزه السياسي الكبير في الدولة ، وحرم أرزاقه أو هو تبرّضها تبرّضا ، واضطر إلى الانزواء بدمشق حينا وإلى مغادرتها والاضطراب في جوانب الأرض حينا آخر لينجو بنفسه من مخاوف الفتن والمهالك أو ليدرك بعض آرابه في الحياة . ومن عجب أن يمر مترجموه جميعا ، لا أكاد أستثني أحدا منهم ، بهذه الفترة العصيبة النكراء من أيامه ، فلا يذكرها منهم ذاكر ، وإنما يقتصرون على خبر واحد من حياته طوال تلك المدة ، وهو استيطانه دمشق ولزومه مدرسته أو بيته للتصنيف والإفادة ، لا يذكرون من أمره غير ذلك . قال ابن السبكي يصف أواخر أيامه هذه : « ولم يزل عند السلطان صلاح الدين في أعز جانب وأنعم نعمة ، والدنيا تخدمه ، والأرزاق يتصرّف فيها لسانه وقلمه ، إلى أن توفّي السلطان صلاح الدين ، وبارت سوق العلم والدين بوفاته ، فاستوطن دمشق ، ولزم مدرسته العمادية « 1 » » . وقال ياقوت الحموي : « ولما توفّي السلطان صلاح الدين - رحمه اللّه - اختلّت أحوال العماد ، ولزم بيته ، وأقبل على التصنيف والإفادة حتى توفّي « 2 » » . وقال ابن خلكان : « ولم يزل العماد الكاتب على مكانته ورفعة منزلته ، إلى أن توفي السلطان صلاح الدين - رحمه اللّه تعالى - فاختلّت أحواله ، وتعطلت أوصاله ، ولم يجد في وجهه بابا مفتوحا ؛ فلزم بيته ، وأقبل على الاشتغال بالتصانيف « 3 » » . وأوجز الصفدي ألفاظه وقال مثل قوله « 4 » ، وهكذا قال غيرهم من مترجميه مثل قولهم اتّباعا ومحاكاة ، تشابهت ألفاظهم كما تشابهت معانيهم ؛ واتفقوا على هذا الغرض وحده لم يعرفوا غيره . والحق الذي تهدّيت له بالاستقراء التأريخي أن حياة العماد في عهود خلفاء السلطان

--> ( 1 ) طبقات الشافعية ( 4 / 97 ) . ( 2 ) معجم الأدباء ( 19 / 19 ) . ( 3 ) وفيات الأعيان ( 2 / 76 ) . ( 4 ) الوافي بالوفيات ( 1 / 133 ) .